كتب
كتب @Abdo_Fayed89
بدأت الحرب على إيران..
مالذي جرى؟..وما هو المستقبل المخيف الذي ينتظر المنطقة؟..
قبل الفجر شنّ سلاح الجو التابع للعدو سلسلة من الغارات المكثّفة على مواقع عسكرية ونووية إيرانية..في البداية سادت شكوك حول إذا ما كان الأمر مجرد هجوم عابر أم إعلان لحرب واسعة على إيران..حتى خرج رئيس وزراء الكيان ووزير دفاعه في تصريحات رسمية يقولان فيها بأن العملية استهدفت ‘‘إزالة‘‘ مواقع نووية إيرانية، نتيجة لمعلومات استخباراتية موثوقة تفيد بأن طهران كانت في طريقها للحصول على قنبلة نووية خلال أيام قليلة..ليس هذا فحسب بل أصبح للعملية اسمًا وهو ‘‘ الأسد الصاعد‘‘..وحدّد رئيس وزراء الكيان هدفها بدقّة..إعادة إيران لعصر ما قبل التكنولوجيا الذريّة..لم يعد هناك إذن ثمة شك..هي الحرب التي لطالما تمناها العدو على إيران.لكن قبل اندلاع الحرب تعرّضت إيران لعملية خداع استراتيجي هائلة من قبل الولايات المتحدّة..كيف حدث ذلك؟..🧵
قبل أسابيع انخرطت طهران وواشنطن في عملية تفاوضية في العاصمة العمانية مسقط بهدف التوصل لاتفاق نووي جديد، وخرج ترامب ليؤكّد أن هناك فرصة كبيرة في التوصل لاتفاق، بل حتى قبل الحرب بساعات قليلة صدر تصريح من الرئيس الأميركي بأن الحرب قد تقع، لكنها احتمال غير وارد حاليًا..في الوقت نفسه كانت أميركا تقوم بسحب بعثاتها الدبلوماسية من مناطق التماس في العراق تحديدًا ثم الكويت والبحرين...كل ذلك ترك طهران في حالة ارتباك واسعة..في كفّة تقوم أميركا بتصرفات تشبه استعدادات ما قبل الحرب..وفي أخرى تبدو تلك التصرفات وكأنها ضغط متوقّع على إيران للحصول على مزيد من التنازلات في الجولات التفاوضية القادمة التي كانت مًقررة يوم الأحد أي بعد يومين فقط من الحرب..في الأخير..نجحت أميركا في القيام بإشغال إيران بالمفاوضات بينما كانت تنسق مع العدو لشنّ حرب واسعة..وتلك كانت ضربة قاسية..
على الفور خرجت التصريحات الأميركية بأن واشنطن لم تقدم الدعم للعدو في تلك الضربات..لكن هذا مجرد كلام إنشائي لا قيمة له..ركّز هجوم العدو على منشأة شديدة الأهمية في المشروع النووي الإيراني وهي ‘‘منشأة نطنز‘‘..ولمن لا يعلم..هي منشأة تقع تحت الأرض على عمق يزيد عن ستة أمتار، وتضم 50000 جهاز طرد مركزي، وتحتاج قوات العدو من أجل استئصالها إلى قنابل مخترقة للتحصينات ولا تمتلكها سوى أميركا فقط وهي GPU 7..ناهينا أن الولايات المتحدّة لا شك قدمت المعلومات الاستخباراتية وليس مستبعدًا أبدًا الدعم العسكري الجوي في ظل المسافة الطويلة التي يتعيّن على طيران العدو قطعها ذهابًا وإيابًا بمدى يقارب 3200 كم، وهو أمر يستحيل حدوثه دون وجود دعم أيركي في التزود بالوقود أو توفير محطات الإقلاع..لكن لماذا تنأى أميركا بنفسها عما يدور في المنطقة وتؤكد أنها تداقع فقط عن مصالحها وحياة جنودها؟..ببساطة لتجنب رد الفعل الإيراني.
لمدة خمسة عشر عامًا متتالية تجنّبت كل الإدارات الأميركية الديمقراطية والجمهورية استهداف المشروع النووي الإيراني خوفًا من ‘‘حرب الكل ضد الكل‘‘..أية ضربة لمنشآت إيران الذريّة تعني ببساطة ضياع الاستثمار المادي والمعنوي الأهم في تاريخ الجمهورية الإيرانية..استثمار من أجله تحمّلت إيران تريليونات الدولارات في صورة إنفاق مباشر في البنى التحتية العسكرية والنووية، أو إنشاء شبكات في المنطقة من بغداد ووبيروت ودمشق وصنعاء استنزقت جهدًا بشريًا وماديًا مهولًا من أجل بناء خطوط متقدّمة للدفاع عن إيران، أو حتى تحمّل عقوبات كلفّت الاقتصاد الإيراني قرابة تريليوني دولار من الخسائر..كان التصور الأميركي محكومًا بحقيقة واحدة..خسارة إيران بطاقة تعريفها الإقليمية وطموحاتها التوسعية يعني اضطرارها إلى إحداث ضرر غير قابل للجبر في كل محيطها الإقليمي..خصوصًا فيما يتعلق باستهداف واسع النطاق لحركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر وكذلك الخليج العربي بل وحتى منصات إنتاج النفط في دول مجلس التعاون، وكل ذلك لن يمر دون استهداف إيراني للقطع البحرية الأميركية المنتشرة في تلك الرقعة..تلك الورقة هي الأبرز أصلًا في يد المفاوض الإيراني..مشروعنا النووي مقابل سلامة التجارة العالمية والقوات الأميركية.
ومن هنا تسعى واشنطن بعد الضربة الأخيرة إلى نفي أي صلة لها حتى تحصر نطاق الرد الإيراني فقط في استهداف أراضي العدو ومنشآته وهو أمر تستطيع تحمّل كلفته بل ودرّبت نفسها على مواجهته بخلق شبكات متقدمة للدفاع الجوي سواء في الأردن أو إقليم كوردستان فضلًا عن الدعم الاستخباراتي والجوي الهائل المشترك بين لندن وواشنطن من أجل حماية الكيان..لكن السؤال الأهم..هل يسير رد الفعل الإيراني وفقًا للمخط الأميركي؟..قبل الإجابة على ذلك السؤال ينبغي الالتفات لحقائق هامّة جدًا..أولًا: أن الدفاعات الجوية الإيرانية في حالة من الهشاشة المخيفة..تستطيع طائرات العدو قطع مسافة 1649 كم وصولًا للسماء الإيرانية ومن ثمّ التجوّل بحريّة مطلقة، ولا يتوقف الأمر هنا، بل تستهدف المنشآت النووية المحصنّة والمفترض أنها تتمتّع بدفاعات جوية فائقة..
أما الحقيقة الثانية: فهي أن إيران بلا شك خسرت كل مواقعها الدفاعية المتقدّمة والأكثر أهمية في دمشق وبيروت ولم يتبق لها سوى بغداد الحذرة جدًا وصنعاء غير القادرة على إحداث فارق جوهري عكس الساحتين اللبنانية والسورية سابقًا..يُضاف إليها حقيقة ثالثة..أن إيران - عكس ما يًشاع عربيًا - واجهت بالفعل الولايات المتحدة سابقًا..لكنها كانت مواجهات غير مباشرة..سواء في سقوط مئات من المارينز في بيروت عام 1983 أو في دعم الفصائل الشيعية عقب احتلال العراق أو قبلها في استهداف المصالح الأميركية في الخليج على يد مجموعات شيعية محلية كما حدث في الخبر في السعودية عام 1996 على يد أحمد المغسّل..لكن مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران..لا..لم تحدث أبدًا.
هذه الحقائق الثلاثة..ضعف الدفاعات الجوية الإيرانية..خسارة الحلفاء في دول الطوق المحاذية للكيان..عدم تفضيل إيران تاريخيًا المواجهة المباشرة مع أميركا..هذه الحقائق مجتمعة ربما تعطينا فكرة مستقبلية عن حدود الرد الإيراني وعدم امتداده ليشمل القوات الأميركية أو المصالح النفطية في الخليج العربي..إيران حاليًا في حالة من العزلة المميتة..لا حلفاء إقليميون قادرون على دعمها، ولا تقنية عسكرية فائقة تساعدها على حماية أجوائها، بل ومخترقة بالكامل من الداخل للدرجة التي تمكّن فيها العدو من الحصول على العناوين الدقيقة لرئيس الأركان محمد باقري، وقائد الحرس حسين سلامي، وإثنين من أشهر العلماء النوويين وهما فريدون عباسي ومحمد مهدي طهرانجي، ومحوهم تمامًا خلال تلك العملية..في هكذا سياق إن انجرت إيران لخيار الحرب الشاملة فلن يكون الأمر سوى استدعاء للتدخل الأميركي بكل ما تمتلكه واشنطن من ترسانة فائقة في الإقليم تستطيع إلحاق الضرر، ليس فقط بالبرنامج النووي الإيراني بل بوجود نظام خامنئي نفسه بما يفتح الباب أمام قلقلة واسعة في الشارع الإيراني قد تفضي إلى تغيير في شكل الحكم من الأصل..الحقيقة المرّة أن إيران فقدت إمكانية التشتيت..كانت أصلًا تُعد خطتها الدفاعية على قاعدة واحدة وهي فتح أربع جبهات في مواجة العدو إذا ما قرر استهداف طموحها الإقليمي، لكن طهران ب" الجبن الاستراتيجي" منعت تحويل يوم السابع إلى تغيي إقليمي شامل، وقيّدت حدود حركة حلفائها في بيروت تحديدًا، ولما استقر العدو وقام بمسح القطاع من على وجه الأرض، بدأ في محاصرة إيران وقصقصة كل أذرعها على نحو مكثّف..بحيث لما يُطلق عمليته العسكرية التي يحلم بها منذ عقدين، لا تجد إيران حائط صد أمامي..وقد كان.
ما الذي تبقّى إذن لإيران؟..حل واحد ولا بديل عنه إذا ما أرادت المحافظة على بقايا وجود إقليمي مؤثر..استهداف المنشآت النووية التابعة للعدو..أصلًا قبل أيام خرج كبار المسئولين العسكريين الإيرانيين ليعلنوا خبرًا بالغ الأهمية ألا وهو نجاح طهران - في سبق استخباراتي - في الحصول على خرائط سريّة مفصّلة لمفاعل ديمونة وباقي القوة النووية للعدو..وبذلك وضعت إيران بنفسها المعادلة..المنشآت النووية مقابل المنشآت النووية..وتلك هي الصيغة الوحيدة المتاحة لطهران من أجل استعادة معادلة الردع، ويجب أن تتم على الفور، وفي لمح البصر، وإلا أتت الموجات الثانية والثالثة والعاشرة للعدو والتي ربما قد تغريها سهولة الاستهداف لتنتقل من خانة البرنامج النووي لإسقاط النظام الإيراني نفسه، ويصبح ذلك هو العربون الذي يقدمه الكيان لدول الخليج وفي مقدمتها السعودية من أجل تطبيع شامل وفوري..سوف تتغيّر المنطقة حال لم يكن رد طهران على نفس المستوى من الاستهداف..وسوف تتغيّر ألف مرّة إذا ما نجحت بالفعل في كسر هيبة البرنامج النووي في ديمونة..باختصارإيران محاصرة بمجموعة من خيارات الرد كلها سوف تترك المنطقة في حالة من الارتباك وإعادة الصياغة لمدة طويلة.
المؤكّد في كل ما يدور أننا على أعتاب التغيير الأهم في الشرق الأوسط منذ نصف قرن..لأول مرّة تمتلك قوة واحدة شرعية استهداف خمسة دول مجتمعة، لأول مرة تحصل قوة واحدة على تفويض لاستخدام الحد الأقصى من الطاقة النيرانية في سبيل إحداث تغييرات دول تدخل قوة دولية واحدة لردعها..لكن إن كان التقدم الأول للعدو في 1948 بتثبيت نفسه كحقيقة جغرافية في أرضنا المنهوبة..وإن كان التقدم الثاني في 1967 يتمثّل في الاستيلاء على المقدسات التاريخية وتوسيع الحدود الجغرافية بمصادرة مزيد من الأراضي العربية..فإن التوسع الثالث هو الأكثر شراسة بما لا يُقاس لأنه تلك المرة يعني في شقّه الأول..تجفيف نهائي لكل منابع ‘‘مكافحة العدو‘‘، بحيث لم تعد هناك قوة محلية في أراضينا المحتلّة قادرة على تنفيذ ضربات استباقية ولم يعد هناك ثمة تهديد إقليمي أو حاضنة شعبية للفكرة ذاتها..أما شقّه الثاني..فهو أن المنطقة تلك المرة ستخضع لشراكة عربية مع العدو..للمرة الأولى يصبح العرب، عرب الخليج تحديدًا، شركاء للعدو من الدرجة الثانية في تقاسم منافع الوراثة الإيرانية..بحيث تتولّى السعودية ومن بعدها الإمارات حصرًا مهام تطويع الدول العاصية أو المتردّدة في سبيل التطبيع، مقابل إطلاق الولايات المتحدة يد الدولتين العربيتين في قيادة العرب وصياغة معادلات حكم محلية تضمن استدامة الهيمنة الخليجية بشروطها الأميركية.
هذا عالم يتبدّل بشكل غير مسبوق..إما رد إيراني مزلزل على العدو في عقر داره وبنفس مستوى الاستهداف تستطيع من خلاله طهران الإبقاء على معادلة ردع تحفظ توازنات القوى في الإقليم.. أو منطقة شرق أوسطية يتقاسمها العدو والخليج كغنيمة حرب..وصدقًا في هكذا وضع..سوف يتم تصميم نظام إقليمي بالغ الشراسة لملاحقة ليس فقط الحركات المناهضة، بل حتى الأشخاص العاديون الذين ما يزال بمقدورهم قول كلمة ‘‘لا‘‘..في هكذا وضع لن يصبح للزعامات التاريخية للمنطقة - وفي مقدمتهم مصر - وزنًا في الأجندة الخليجية سوى اعتبار القاهرة ساحة نفوذ مطلقة يجرى صياغة شروطها المحلية وفقًا لهوى الوكيل الاستعماري وإلا كانت الأثمان قلاقل واسعة النطاق..في هكذا وضع..سوف تترسّخ معادلة وحيدة مفادها..أن العدو باطش..يستطيع الوصول إلى مراكز القرار وصناّعه، المنشآت الحيوية وأسرارها، في أي عاصمة عربية يريد وفي غضون دقائق..وليس أمام العرب لتجنب مصائر طهران وبيروت سوى الانصياع المطلق..تلك الشهية المفتوحة للتوسّع مدعومة بحقائق التفوق العسكري الكاسح والدعم الدولي الهائل..سوف تجعل عاصمتك العربية هدفًا جديدًا..أينما كنت وأينما كانت..مطبعًا كنت أو مناويء..لا يهم..سوف يدفع الكل أثمان الاعتقاد بأن العدو شريك..سوف يدفعون لا ريب كلفة خذلان حائط الصدّ الأول في القطاع..لن تكون طهران الأخيرة أبدًا..ثق في ذلك. (انتهي)